أحمد بن يحيى العمري
123
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ومنهم : 30 - أبو مغيث الحسين بن منصور الحلّاج « 13 » بحر لا يلجه إلا معذر ، وأسد لا يخرجه إلا متضرر ، شرب بقية الزجاجة ، وطرب فوق قدر الحاجة ، فانقلب سكرانا طافحا ، وغلب عليه فمال طامحا ، وكان ممن كتب الكتب وقراها ، وبرأ الكتب ودراها ، فكان يجني ثمر الغيوب ، ويجري تارة مجرى المحاسن ، وتارة مجرى العيوب ، فلا يزال يأتي بالحكمة الصائبة ، ويحدّث بالكلمة الغائبة ، بكشف لا يحجب ، ولا يأتي بنادرة فيتعجب ، لكثرة ما كان يأتي به شيئا بعد شيء ، ويمد من تخييلاتها فيا بعد في ، فكان لو شاء أنه أو همّ شق البحر فخاض منه طريقا يبسا ، وشهب الماء فأوقد منه شهابا قبسا ، وأومأ إلى الغوادي فأجابت سماؤها ، وإلى الليالي فانجابت ظلماؤها ، فخلب العقول أو سحرها ، وخيّل أوقات الظهيرة عشيات الليالي أو سحرها ، حتى أضلّ جبلا ، وأضاع جملا ، وأصبح مثلا ، وأمسى وأمثال عقد النجوم عليه منتثلا ، وكاد العراق يميد لساكنه ، ويميل بمساكنه ، حتى كادت بغداد تخرج في ذمامها ، ويخرج من يد أيامها ، والناس عليه مؤتلفون ، وفيه مختلفون ، وهم به لا يقصرون ، أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ « 1 » ثم قتل بسيف الشرع ، وسقي بسيل دمه منابت الزرع ، فقرّ الدرّ في الضرع ، واستقرّ في ثاره الأصل والفرع ، هذا بعد أن صبّ عليه سوط عذاب ، وقتل والناس قسمان : قسم مدح ، وقسم عاب ، إلا أنه حكي أنه لم يحضر واقعته إلا من أصيب ، وأخذ من البلوى نصيب .
--> ( 13 ) ينظر ترجمته في : طبقات الصوفية للسلمي 307 - 311 ، وتاريخ بغداد 1 / 112 - 141 رقم 4232 ، والمنتظم لابن الجوزي 6 / 160 - 164 رقم 265 ، والكامل في التاريخ 8 / 126 - 129 ، ووفيات الأعيان 2 / 140 - 146 رقم 189 ، وتاريخ ابن الوردي 9 / 256 - 257 ، وسير أعلام النبلاء 14 / 313 - 354 رقم 205 ، وميزان الاعتدال 1 / 548 رقم 2059 ، والبداية والنهاية 11 / 132 - 144 ، وطبقات الأولياء لابن الملقّن 187 - 188 رقم 35 ، والنجوم الزاهرة 3 / 182 و 202 - 203 ، وتاريخ الخلفاء 380 - 382 ، وشذرات الذهب 2 / 253 - 257 ، والطبقات الكبرى للشعراني 1 / 126 - 128 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 23 / 252 . ( 1 ) سورة الطور - الآية 15 .